لكن شهادة جديدة من السواق، ومعاها سجلات قديمة، كشفت إن فؤاد كان موجود في المنطقة وقت الحادثة، وإنه حاول بعد كده يضغط على شهود عشان يسكتوا. النيابة استكملت التحقيق، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة، وبقى مصير فؤاد في إيد القضاء. أما منصور، فاعترف بدوره في إخفاء بعض الحسابات، وقرر يتعاون مع التحقيق، وسلم كل المستندات اللي كانت عنده.
الحاج صبري، من ناحيته، قرر يرجّع حق أبويا من غير ما يستنى حكم نهائي في كل التفاصيل المالية. استدعاني أنا وخالي محمود لمكتبه، وقال: ـ يا مريم، أبوكي كان شريك أصيل في الشركة، وحقه وحقك لازم يرجعوا. أنا مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت، ولا هقدر أصلح كل الغلط اللي حصل، لكن أقدر أبدأ بإني أديكي حقك كامل.
المحامي شرح لنا قيمة الحصة المالية اللي كانت مثبتة في المستندات، واتفقنا على مراجعة الحسابات بصورة مستقلة قبل إتمام التسوية القانونية. أنا ما كنتش عايزة فلوس لمجرد الفلوس. كنت عايزة الحقيقة تتثبت، واسم أبويا يرجع محترم زي ما كان. قلت للحاج صبري: ـ أنا مش عايزة أكتر من حق بابا، ومش عايزة حد يديني حاجة من جيبه.
عايزة كل حاجة تكون بالقانون. هز راسه باحترام. ـ وده حقك يا بنتي. وبعدين سكت، وبعدها قال: ـ أنا عارف إن الاعتذار مش هيكفي، بس أنا آسف إني صدقت كلام فؤاد زمان، وآسف إني ما دورتش على الحقيقة أكتر. بصيتله وقلت: ـ أنا مقدرة اعتذارك يا حاج، بس اللي حصل علّمنا كلنا إن الثقة من غير دليل ممكن تظلم ناس بريئة. دموعه لمعت في عينيه.
ـ عندك حق. خرجت من المكتب وأنا حاسة إن حمل كبير اتشال من على صدري. لكن رغم إن الحقيقة بدأت تظهر، كان لسه فيه قرار لازم آخده. كنت هارجع القاهرة، لحياتي وشغلي، وسليم كان عارف إن اللحظة دي قربت. في الليلة اللي قبل سفري، لقيته مستنيني في الجنينة، جنب نفس شجرة الجوافة اللي وقفنا عندها أول مرة واتكلمنا من غير مشاكل. كان ماسك علبة صغيرة.
أول ما شافني، ابتسم وقال: ـ مساء الخير يا صاحبة القهوة الوحشة. ضحكت. ـ مساء النور يا أستاذ القهوة. قعدنا على كرسيين تحت الشجرة، وهو حط العلبة على الترابيزة. سألته: ـ إيه ده؟ ـ افتحي وشوفي. فتحت العلبة، ولقيت جواها سلسلة فضة رقيقة، فيها تعليقة صغيرة على شكل كتاب مفتوح. بصيتله باستغراب. ـ إيه المناسبة؟
قال: ـ عرفت إنك بتحبي القراءة والكتابة، وإن نفسك تفتحي مشروع خاص بيكي. فقلت أجيبلك حاجة تفكرك إن أحلامك مش لازم تستنى لحد ما كل مشاكل الدنيا تخلص. حسيت بتأثر كبير. ـ سليم، الهدية جميلة، بس أنا مش عايزة أحس إنك بتحاول تكسبني بالهدايا. هز راسه. ـ وأنا مش عايزك تحسي بكده. دي هدية بسيطة، من غير مقابل، ومن غير ما أستنى منك أي قرار. بصيتله طويلًا، وبعدها قلت: ـ أنا هسافر بكرة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.