حين جفت دموعها مؤقتاً، نهضت تفتش في المرآة عن بقايا ملامحها، بكت بانكسارٍ وراحت تتطلع على حالها، وهي تتذكر كيف كانت قبل أسابيع فقط، تقف أمام نفس المرآة والبهجة تغمر ملامحها، وهي تتخيل مستقبلهما معاً.
بكت بهوانٍ لكن عزة نفسها انتفضت بحدة، رفعت ذقنها بشموخ هائل، فالهوان لم يجد يوماً طريقاً لملامحها، وبقسوة ولدت من رحم الكبرياء،اتجهت بقوة لتقفت أمام خزانة ملابسها. بأصابع تفقد القدرة على التمسك بأي شيء، مدت يدها إلى الرف العلوي وسحبت علبة قطيفة زرقاء، فتحتها، فبرقت لمعة الخاتم الذهبي تحت إضاءة الغرفة الخافتة، لتنعكس تلك اللمعة في عينيها الدامعتين كخناجر تطعن كبرياءها،كان قد أهداها اياه في ذكرى ميلادها.
نقلت بصرها ببطء إلى أصبعها، تسمرت عيناها عند خاتم الخطبة( الدبلة )، تذكرت فجأة تلك اللحظة، حين ألبسها إياه وعيناه تشعان بابتسامته الساحرة التي وثقت بها، تذكرت نبرة صوته وهو يقطع عهداً بأن يكملا الدرب معاً للأبد. عاد المشهد أمامها كشريط سينمائي ليزيد من مرارة الحقيقة التي تراها بعينيها الآن. شعرت بقهر يمزق أحشاءها، فانتزعته من بين أصبعها وألقته داخل العلبة بعنف، توالت الدموع ساخنة، تحرق وجنتيها وهي تجمع كل سوار وقِلادة أحضرها لها، وكل هدية حملت يوماً توقيع حبه المزيف.
كانت تلملم بقايا خيبتها، ومع كل قطعة تضعها داخل الأكياس، كانت تضع معها قطعةً من قلبها المكسور. قطع عزلتها صوت والدتها القادم من ردهة البيت،بسرعة جففت دموعها، وفتحت الباب على عجل لتخرج إلى والدتها، وبملامح متحجرة ونبرة قاطعة كسيفٍ، سألتها بحدة: -الشبكه بتاعه هشام فين يا ماما؟وضعت سامية عليقة المفاتيح بمكانها، ثم تطلعت إلى ابنتها بملامح غمرتها الحيرة، وأجابتها بنبرة شاردة:-في الدولاب بتاع ابوكِ ومقفول عليها بالمفتاح. أشاحت بسمة بوجهها في كبرياء متصلب، وقالت:-طب هاتيها.
التقطت الأم على الفور مغزى تلك النظرات المستعرة في عيني ابنتها وقرأت ما وراءها، وبرغم هذا سألتها بنبرةٍ هادئة، محاولةً زرع الطمأنينة وتبديد شكوكها قبل أن تتفاقم:-هتحضري فرح حد من زمايلك ولا ايه؟تمتمت بسمة بسخط لا يخلو من عزة نفسٍ بالغة، محاولة خنق غصتها المكتومة:-عايزاها عشان ارجعها له.
ضربت الأم على صدرها بهلع، وقد تملكتها الريبة، وهتفت:-ترجعيها له ده ايه، مالك يا بت، ومال عنيكِ محمرة كدا ليه؟!أجابتها ببرود قاسٍ، وكبرياء يرفض الشفقة:-انا فسخت خطوبتي من اللي اسمه هشام.
هوى الخبر على سامية كصاعقة زعزعت ثباتها، أمسكت بمعصم ابنتها بقوة واتجهت بها إلى داخل الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفهما بعنف وكأنها تغلق الباب بوجه الكارثة. وما إن التفتت ورأت الأكياس المكدسة فوق الفراش، حتى تلاشت الكلمات من جوفها وهتفت بذهول ممتزج بالصدمة: -ده انت بتتكلمي بجد بقى. ارتسمت معالم الغضب على محيا بسمة، وهتفت بنبرة حادة: -وهو الكلام ده فيه هزار يا ماما؟
تبددت صرامة الأم أمام غليان مشاعر ابنتها، فدنت منها بخطواتٍ راسخة، ووضعت كفها على عاتقها برأفةٍ بالغة، أرادت بلمستها تلك أن تخمد الحريق المستعر في صدرها، ثم بادرتها بسؤالٍ يقطر رفقاً:-مالك بس يا بنتي، ايه اللي حصل لده كله؟
التقت عيناهما، فسقطت كل دروع الكبرياء، وبدون مقدمات، انهمرت دموع بسمة بغزارة، وقالت بصوت متهدج يملؤه الضعف:-هشام بيخوني يا ماما. خرجت شهقة مذهولة من جوف سامية لتخترق جدران الغرفة، لم تكن تدرى أن هناك من يتربص خلف الباب ليتسمع عليهما.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.