ارتسمت على شفتيها ابتسامة صفراء لاذعة، وصوبت نظراتها الماكرة نحو هشام مباشرة، وتحدثت بمزاحٍ سمج يحمل في طياته خبثًا هائلاً: -ياريت بقى يا حضرة الظابط تعقل وتبطل شقاوة، حاكم بسمة شرانية وبتغير اوي.
وتحت ملامح هشام التي تيبست ذهولاً من وقاحتها، تابعت بوقاحة مفرطة:-ويا سيدي، لو اتزنقت في خروجة مع واحدة، ابقى خدها في مكان متداري، بلاش الاماكن المكشوفة اوي دي. تجمدت الدماء في عروق هشام، وأصابته الصدمة بشللٍ مؤقت ألجم لسانه لثوانٍ، قبل أن يتحول الذهول إلى بركان من الغضب يكاد ينفجر من عينيه، شعر باشمئزازٍ عارم يجتاح كرامته كضابط ورجل هُتكت أسراره، رمقها بنظرة محتقرة وهتف بصوتٍ هادر كالعاصفة: -انتِ ايه اللي بتقوليه ده؟
وازاي تسمحي لنفسك تكلميني بالطريقة المنحطة دي؟
!أجابت مستنكرة بزيفٍ ومظلومية:-الحق عليا الي بنصحك!ثم مصمصت شفتيها بتهكمٍ وأردفت:-قال خيرٍ تعمل. هبت"بسمة" واقفة، وجسدها بأكمله ينتفض بامتزاحٍ مرير من الغضب والخجل القاتل، وصاحت وهي تشير نحو الباب: -ممكن تسكتي وتطلعي برة. تحرك من مقعده ببطء مخيف، والتفت نحو بسمة يرمقها بنظرات تقطر سخطاً، وهتف بصوت هادر جعل جدران الغرفة ترتجف:-وتسكت ليه، مش انت اللي سمحتي لها وادتيها الفرصة لما روحتي حكيتي لها اسرارنا يا هانم؟
!كانت عيناه تقذفان شراراً حارقاً لو طالها لحولها إلى رمادًا في الحال، شعرت برعبٍ هائل من هيئته التي لم تعهدها من قبل، وتملكها إحراج قاتل أمام هذا الاتهام الظالم، راحت تهز رأسها بلهفة وجنون لتدفع التهمة عن نفسها وهي تبكي:-والله ما قولت لها حاجة يا هشام. تطلع إليها بنظرة واحدة محملة بالازدراء والخذلان، ولم ينتظر رداً، بل اندفع خارجاً كإعصار مدمر يقتلع كل ما يقابله في طريقه، ركضت خلفه لاهثة ودموعها تعمي عينيها وهي تقول: -استنى يا هشام، ارجوك اسمعني.
في بهو المنزل، انتفض عبد الرحمن فزعاً حين رأى هشام يمرق كالبرق ووجهه محتقنًا بالدم البارد من شدة الغيظ،سأله مندهشًا:- ايه اللي حصل يا ابني؟وبرغم العاصفة التي تزلزل صدره، لجم غضبه احتراماً لشيبة ذلك الطيب، وأجابه بصوت متقطع جاهد ليخرج متزناً:-بعد اذنك يا عمي، انا مضطر امشي، هبقى أكلم حضرتك بعدين.
خرج مسرعاً متجاوزاً نداءات سامية المفجوعة التي ركضت خلفه وهي تصيح بلهفة: -استني يا هشام خلينا نتفاهم يا ابني. لكنه انطلق كالسهم، واستقل سيارته ليقودها بسرعة جنونية .التفتت سامية نحو ابنتها وراحت تهتف بنبرة لائمة ممتزجةً بالهلع: -عملتي ايه للجدع يا بت؟
وجهت بسمة نظراتٍ محملة بكل غل الحاقدين نحو يمنى، فوجدتها ترتخي بجسدها على إطار الباب بكل برود وتبلد، فهتفت بسمة بصوت مختنقًا بالدموع:-اسألي الهانم مرات ابنك، وشوفيها عرفت منين الكلام اللي دار بيني وبينك. بلعت يمنى ريقها بصعوبة بعد أن حاصرتها الأنظار، وقالت بارتباك حاولت إخفاءه:-تقصدي ايه بكلامك ده يا ست بسمة؟
هتفت بسمة بصراخ هستيري:-اقصد انك واحدة صناتة وخرابة بيوت، مكفكيش انك وقفتي اتصنتي عليا انا وماما في اوضتي، كمان خربتي علاقتي بخطيبي، ربنا ينتقم منك يا يمنى، ربنا ينتقم منك. وانفجرت في بكاء مرير هز كيانها.
استشاطت سامية غضباً من تلك الشيطانة التي تنفث سمومها في بيتها، وهتفت بها بعنفٍ: -اطلعي يلا على شقتك، وكلامنا مع جوزك. حين أدركت يمنى أن المحاكمة ستطال زوجها، حاولت الكذب والمراوغة بذعر:-صدقيني يا طنط ما اتصنت، دي هي وخطيبها اللي كان صوتهم عالي وسمعتهم من مكاني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.