لم تمنح نفسها فرصة للتفكير، بل اندفعت تصرخ بنبرة لاهثة يمزقها الذعر والاضطراب: -نزلني على جنب يا اسطى لو سمحت. نزلت بسرعة وتوجهت صوب المقهى، وقفت أمام الزجاج مباشرة، تراقب المشهد بأنفاس متلاحقة، كان هشام يتحدث بتأثر شديد، ولم تمضِ لحظات حتى بدأت الفتاة تبكي. هنا، امتدت يده لتدثر كف الفتاة باحتواء دافئ، هامساً بكلمات لم تصل إلى مسامع "بسمة" بالتأكيد، لكن أثرها ظهر في ابتسامة الفتاة وسط دموعها، أخرج من جيبه محرمة ورقية وقدمها لها، فتناولتها وراحت تمسح عبراتها بامتنان.
كل هذا دار أمام عيني تلك التي بدأت تنهار، بينما تسلل الرعب إلى أعماق قلبها، بلعت ريقها بصعوبة، وأخرجت هاتفها بحركات مرتعشة لتطلب رقمه عله يفسر لها، رأت"هشام" يشعر باهتزاز هاتفه ، أخرجه من جيب سترته ونظر إلى الشاشة التي أضاءت باسمها، لكنه، وبكل برود، رفض استقبال المكالمة. تلقت الصدمة كصفعة قوية، لم تصدق، فأعادت الاتصال لترى ردة فعله تلك المرة، تنهد هشام بضيق ونظر إلى الهاتف مجدداً، التفتت إليه الفتاة متسائلة، فأجابها، ثم أشارت بسبابتها نحو الهاتف كأنها تحثه على الرد، لكنه هز رأسه برفض قاطع.
في تلك اللحظة، شعرت بسمة أن الأرض تميد بها، وأن قدميها عاجزتان عن حملها، هزت رأسها بذهول وإنكار، ثم ركضت نحو الطريق لتشير إلى أول سيارة أجرة "تاكسي"، ارتمت في المقعد الخلفي، وانفجرت دموعها المحبوسة قهرًا. تسارعت أنفاسها وضاقت الدنيا في عينيها وهي تواجه الحقيقة المُرة في حوارٍ نفسي: -لماذا؟إن كان قلبه ملكاً لأخرى، فلماذا طرق بابي؟ لماذا جاء لخطبتي من الأساس؟!لماذا أقحمني في حياته؟.
شعرت بغصة تقهر كبرياءها، فهي لم تسعَ يوماً إليه، ولم تلقِ بنفسها في طريقه ليرد لها الأمر بهذا الخذلان، أحست بمهانة الخديعة تنهش روحها، وتساءلت بمرارة تفوق الاحتمال:- أنا لم أطلب منه شيئاً، هو من جاء باختياره ليرتبط بي، فلماذا ينسج حولي كل هذه الشباك من الزيف؟ كيف هان عليه أن يخدعني ويوهمني بعشقٍ لم يعرف قلبه يوماً؟
فجأة، اهتز هاتفها معلناً اتصالاً منه، رفضت الرد في البداية، لكن كبرياءها دفعها للحسم في اللحظة الأخيرة، فتحت الخط، وقالت بنبرة جامدة تخفي خلفها بركاناً: -ألو. جاءها صوته الحنون، ذلك الصوت الدافئ الذي طالما وثقت به وسلمت له مفاتيح قلبها، لكنه الآن بدا غريباً، محشواً بزيفٍ بات ظاهرًا لها: -أنا آسف جداً يا حبيبتي، كنت في اجتماع مهم ومعرفتش ارد.
ابتسمت بسخرية لاذعة وسألته: -اجتماع؟ اجتماع ايه ده يا هشام؟أجابها بنبرة هادئة ومستقرة: -اجتماع خاص بالشغل. لم تتمكن من تمالك نفسها، فشهقت بدموع مكتومة، ليتغير صوته فجأة إلى اللهفة: -مالك يا بسمة؟ انتِ كويسة؟تلاشت آخر ذرات تماسكها، وانفجرت نبرتها المقهورة تفيض بمرارة الدموع والخذلان: -انا شوفتك من شوية يا هشام، شوفتك وانتَ قاعد مع حبيبتك وماسك ايدها وبتواسيها.
اتسعت عيناه بدهشة خلف الهاتف، بينما تابعت هي دون أن تمنحه فرصة للمقاطعة: -ولما رنيت عليك كان عندي امل، وقولت اشوف رد فعلك، واكيد هترد عليا وتفسر لي، بس للاسف، رد فعلك صدمني وخلاني اعرف قد ايه انا غبية ومضحوك عليا. زفر بحدة وضيق، محاولاً تدارك الموقف، وقال بنبرة حازمة لكنها هادئة: -طب ممكن تهدى وانا هشرح لك كل حاجة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.