اتسعت ابتسامته، وألقى بالقلم جانباً فوق كومة الأوراق، ثم شبك أصابعه سانداً تحت ذقنه، ونظر في عينيها وسألها بفضولٍ ممتع: -بمناسبة أوضة الأطفال، مفكرتيش مرة في أساميهم؟
!داهمها خجل شديد، لكن حبها الكبير لعمتها جعلها تتغلب على ارتباكها، فقالت بصوت خفيض: -أنا بحب اسم عمتو أوي. واستجمعت حماسها وراحت تسألهُ: -فـ ايه رأيك لو جبنا بنوتة، نسميها فاطمة، والدلع يبقى فيفي؟وقع الكلمات وتلقائيتها في اختيار اسم والدته الغالية أحدث رجة في قلبه، نظر إليها بسعادة مباغتة، وأراد أن يتأكد من دوافعها فسألها: -انتِ بجد عاوزة تسمي فاطمة؟
، ولا بتقولي كدا علشان ترضيني؟هتفت بحماس شديد، ولمعة الإصرار تملأ عينيها: -لا طبعاً، أنا اه بحب ارضيك، بس انا فعلاً بحب اسم عمتو جداً، وان شاء الله هنسمي أول بنوتة بيه.
كانت سعادته بها في تلك اللحظة تتجاوز جميع الحدود، فشعوره بالحب نحوها يزداد عمقاً مع كل إشراقة يوم جديد، وما كان يأسر قلبه حقاً، هو ذكاؤها العاطفي الآسر، وسعيها العفوي الدائم لإرضائه بشتى الطرق، وكأنها تقرأ تفاصيل روحه دون عناء.
نظر إليها بعينين يشع منهما الدفء،وسألها: -طب ايه رأيك نسمي الولد "علي"؟هتفت بخماسٍ هائل وهي تصفق بكفيها كالأطفال: -حلو اوي يا اشرف، انتَ عارف انا بحب ابيه علي قد إيه، وطول عمري وانا بعتبره أخويا الكبير.
ثم استكملت بنبرة صدق نابعة من أعماقها: -واكيد هكون سعيدة لما ابني يكون على اسمه. اتسعت ابتسامته لردها، لكن دقات مفاجئة على باب مكتبه جعلته يتحرك بسرعة ليغلق الكاميرا مكتفياً ببقاء الصوت، ثم سمح بالدخول للموظف الذي أطل برأسه قائلاً: -المدير عاوز حضرتك حالاً يا استاذ اشرف. أجابه بهدوء: -حاضر، جاي حالا. ما إن أغلق الموظف الباب وخرج، حتى أعاد أشرف تشغيل الكاميرا مجدداً، ونظر إليها قائلاً باقتضاب: -انا هقفل يا حبيبتي، وهكلمك بالليل.
ترددت قليلاً، قبل أن تقول باستحياء: - بلاش بالليل يا اشرف، عندي مذاكرة كتير ومحتاجة اركز علشان الامتحانات قربت. فبرغم عشقها الجارف لذلك الذي استحوذ على قلبها، والذي يستأثر بجزء كبير من تفكيرها، إلا أنها لم تفرط يوماً في دراستها، إذ كانت تبذل قصارى جهدها وتواصل الليل بالنهار في المذاكرة، مدفوعة بتشجيع والدها المستمر لتحقيق حلمهما المشترك في أن تصبح معيدة بالجامعة.
تفهم موقفها ووافقها على الفور، فبرغم رغبته في الحديث معها، إلا أنه كان يدفعها دائماً ويشجيعها على السعي والتركيز للوصول إلى هدفها الطموح.
_______♕________
كانت بسمة في طريق عودتها من الجامعة، تستند برأسها المجهد إلى نافذة سيارة النقل الجماعي"الميكروباص"،الذي كان يزحف ببطءٍ شديد جراء الاختناق المروري، راحت تتطلع بملل إلى زحام الشوارع من خلف زجاج السيارة،تطلعت على يمينها فاستوقفت عينيها واجهة مضيئة وشفافة لمقهى معروف، كان الزجاج يكشف تفاصيل الجالسين في الداخل تماماً. في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروقها وشُلت حركتها وهي تلمح" هشام"جالساً هناك، لم يكن بمفرده، بل كانت تجلس أمامه فتاة رائعة الجمال ترتدي كنزة بحمالات رفيعة، ورافعةً شعرها بعفوية على شكل كعكة، بديا غارقين في حديثٍ حميمي يعكس انسجاماً وتناغماً تاماً لم تخطئه عيناها المصدومتان.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.