ولم تكن تعلم… أن أول درس سيكون بداية أكبر صدمة في حياتها. لم تنم ليان تلك الليلة كما اعتادت كانت كلمات عاصم تدور في رأسها، وابتسامته الهادئة تثير استفزازها أكثر من أي رد غاضب كان يمكن أن يقوله. في الصباح، انتشر خبر الرهان في القرية كلها. لم يعد أحد يتحدث عن أسعار المحاصيل أو موسم الحصاد، بل عن مدرسة المدينة التي قررت تعليم كبير الهوارية القراءة والكتابة.
كانت النظرات تلاحقها أينما ذهبت، لكنها رفعت رأسها بعناد. عند الغروب، توقفت سيارة سوداء أمام البيت الذي تستأجر فيه غرفة. ترجل منها شاب في الثلاثين من عمره. قال باحترام: الكبير مستني حضرتك في المضيفة. سألته ببرود: هو فاكرني هجري وراه؟ ابتسم الرجل: أنا مجرد مبلغ. بعد دقائق، كانت تخطو داخل المضيفة الواسعة جدران حجرية قديمة، وسجاد عربي، ومكتبة ضخمة ملأت أحد الجدران بالكامل توقفت للحظة وهي تنظر إلى المكتبة همست باستغراب: كل الكتب دي للزينة؟
جاءها صوته من خلفها: اتفضلي. التفتت، فوجدته يجلس بهدوء، وأمامهما طاولة خشبية أخرجت من حقيبتها كراسة وقلمًا، ثم جلست بثقة دفعت القلم نحوه: يلا… هنبدأ بحروف الهجاء. نظر إلى القلم دون أن يلمسه ثم قال بهدوء: قبل الحروف… عندي سؤال. رفعت حاجبها: إيه هو؟ مد يده نحو أحد الرفوف، وسحب رواية إنجليزية سميكة، ثم وضعها أمامها: دي قريتيها؟
اتسعت عيناها ترددت قبل أن ترد: آه… طبعا. فتح الرواية عند صفحة محددة، ثم دفعها نحوها: اقري الفقرة دي. ابتسمت بثقة وبدأت تقرأ بصوت مرتفع بعد عدة أسطر… قاطعها بهدوء: نطقتي الكلمة دي غلط. سكتت ثم نظر إليها بثبات، ثم نطق الجملة كاملة بإنجليزية سليمة، بلكنة أجنبية واضحة، وكأنه عاش سنوات بين أهلها تجمدت ليان في مكانها فابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة وقال بالمصرية الهادئة: كملي… ولا أشرحلك معنى الفقرة كمان؟
شعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها فهمست: إنت… إنت بتعرف إنجليزي؟ أغلق الرواية بهدوء: بعرف أربع لغات. ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها: والرهان لسه في أوله… يا أبلة. خرجت ليان من المضيفة وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها لم يكن ما حدث مجرد إحراج، بل صفعة قوية لثقتها بنفسها كيف أخطأت في الحكم عليه بهذه السهولة؟ لكن كبرياءها رفض الاعتراف بالهزيمة. في صباح اليوم التالي، دخلت المدرسة وهي تحاول تجاهل همسات المدرسين.
قالت إحدى المدرسات: سمعنا إن الكبير هو اللي صححلك الإنجليزي. ابتسمت ليان ابتسامة مصطنعة: حاجة بسيطة. لكن الخبر كان قد وصل إلى كل القرية. في المساء، عادت إلى المضيفة في الموعد نفسه وجدته يجلس في الحديقة، يحتسي القهوة ويطالع كتابًا. اقتربت وجلست أمامه قالت بجدية: أنا مستسلمتش. رفع عينيه عن الكتاب: وأنا مقولتش إنك استسلمتي. قالت بعناد: أنت مش محتاج حد يعلمك القراءة والكتابة… لكن أنا عايزة أعرف أنت مخبي ليه.
أغلق الكتاب ووضعه على الطاولة: ليه يهمك تعرفي؟ :_ عشان مفيش راجل عاش طول عمره في الصعيد واتعلم أربع لغات بالشكل ده. ابتسم ابتسامة صغيرة: مين قالك إني عشت طول عمري هنا؟ ساد الصمت ثم أردف بهدوء: من وأنا عندي ١٧ سنة، سافرت بريطانيا. درست هناك، واشتغلت، ورجعت لما أبويا مات. حدقت فيه غير مصدقة: يعني كل الناس عارفة؟ هز رأسه: أيوه… إلا إنتي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.