سمعت أصوات واطية بتتنقل بلهجة بدوية تقيلة، كلمات مش واضحة قوي تخص (الشحنة وصلت زين)، (تأمين الطريق البحري والجبلي)، (سـ,ـلاح الحماية والعتاد الجديد). قلبها اتقبض رعب وهي بتتفرج على المنظر ده. فهمت في اللحظة دي إن المكان ده مش مجرد قبيلة بدوية بسيطة عايشة على الرعي والتجارة العادية، ده مركز عمليات كبير ومعقد، وإن الشيخ مش مجرد شيخ قبيلة بيحل مشاكل العائلات، ده رئيس شبكة تجارة سـ,ـلاح واسعة جداً في سيناء واللي حواليها!
السر الخطير ده اللي شافته بعينها خلي نفسها يتزنق جوه صدرها، وفهمت ليه مانعها خالص من الخروج أو تسيب الديرة؛ مش بس عشان يحميها من الديون، ده عشان هي بقت عارفة أسرار أضخم بكتير من اللي عقلها البسيط ممكن يستوعبه. وبينما كانت واقفة بتسمع وهي مذهولة ومرعبة، ودمها اتجمد من الخوف، فيه حد حس بوجودها ورا الصخور. وقف لثواني، وقبل ما تلحق تتحرك وتهرب، ظهر قدامها فجأة زي الجبل الواقف في الضلمة؛
ده الشيخ نفسه. عينه الغامقة كانت بتلمع بحدة تمـ,ـوت تحت ضوء القمر، وقرب منها بخطوات بطيئة وتخوف لحد ما بقت أنفاسه القريبة متخلوطة بأنفاسها السريعة. قال بصوت خشن واطي، كأنه بيقطع ظلمة الليل بسيف حاد: — ايش منزلك هالوقت يا بنت الناس؟ النوم ما زارك، والا عيونك تحب تدور على أشياء ما تخصها؟ بلعت ريقها بصعوبة كبيرة، وجمعت كل شجاعتها اللي باقية عشان ترد بصوت بيترجف غصب عنها: — أنا.
. أنا كنت عطشانة وطلعت أدور على ماء.. وبعدين، إيه اللي بيحصل هناك ده؟ إيه الصناديق والرجالة دي؟! ضيق عينه أكتر، وقرب خطوة تانية خلت جسمها يلزق في ستر الخيمة من ورا، وقال بنبرة تحذيرية خطيرة جداً: — اللي يدور على شي ما يعنيه، يلقى ما لا يسره يا أم ياسين.. وعينك اللي شافته الليلة، لازم تتنسى فوراً وتتسكر بالچيد. هالديرة فيها أسرار ما تهم حرمة مثلك، وتجاوزك لحدود خيمتك بالليل يعرضك لخطر ما تقدرين تتحملينه.
ردت بغضب مستدار تحت طبقات من الخوف الحقيقي: — خطر إيه؟! انا فهمت دلوقتي ليه حابسني هنا ومش عايز تخليني أرجع مصر! إنت خايف لا أبلغ عنك وعن تجارة السـ,ـلاح اللي بتعملوها في الصحراء دي! إنت إنسان مجـ,ـرم.. وقبل ما تكمل كلامها، مد إيده القوية وسد بوقها برقة صارمة وحازمة، ومنع أي صوت تاني يطلع، وقرب بوشه لحد ما بقا قريب جداً منها، وقال بنبرة مليانة تهديد وسيطرة كاملة: — إياكِ.
. إياكِ تعيدي هالكلام مرة ثانية، ولا تنطقي بحرف واحد برا دارك عما شفتيه. أني ما أجرمت، أني أحمي أرضي وربعي وناسي. وإن كنتِ خايفة على نفسك وعلى هالوِلد الصغير، فاسمعي زين؛ مكانك هِنا محفوظ، وحمايتي لكِ واقعة لا محالة، بس لسانك الطويل هذا.
. يبيله قص لجل ما يجيب لكِ الموـ,ـت! بعد عنها ببطء شديد، وسابها واقفة مكانها في الضلمة، بتنهج بقوة وقلبها بيترجف بين الخوف والذهول، وهي عارفة كويس إنها بقت محبوسة عند راجل ما بيلنش قلبه، في عالم ضلمة وخطير ما فيهوش رحمة للضعفاء أبداً. يتبع.....



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.