في يوم من الأيام دي، حاولت تمشي كم خطوة زيادة وتعدي التل الصغير اللي بيبص على خيام القبيلة، وماشية في سكة الطريق الرئيسي اللي بيؤدي لبره، وفجأة لقت راجلين من حرس الشيخ قربوا منها بخطوات ثابتة ومهيبة، وقفوا بأدب شديد بس بصوت صارم وحاسم: — معذرة يا أم ياسين.. الأوامر واضحة، ما حدا يتعدى حدود الديرة بروح حاله لجل أمانك ... نرجو ترجعي للخيمة.
النار ولعت في صدرها من إحساس العجز ط اللي محاوطها، فردت بعصبية واضحة: — أنا مش مسجونة عندكم! أنا إنسانة حرة وعاوزه أتمشى في مكاني براحتي! مين أنتوا عشان تمنعوني؟! رد واحد منهم باختصار وجدية تامة: — إحنا رجال الشيخ.. وأوامر الشيخ عندنا مقدسة، وما نقدر نخالفها ولو على قطع رقابنا ... عودي لدارك بسلام يا أم ياسين، وريحي بالك.
اضطرت ترجع وهي بتجر أذيال القهر والغضب، ورجعت خيمتها وهي حاسة إن الحبال بتضيق على رقبتها أكتر وأكتر كل ساعة بتعدي في المكان الغريب ده. بس في الناحية التانية، وفي وسط التوتر المستمر ده، كانت ملاحظة حاجة تانية بتخفف عنها رعبها الظاهري؛ ابنها "ياسين". الطفل أبو الأربع سنين لقي عالم سحري ماشافوش خالص في شوارع القاهرة الزحمة؛
كان بيقضي أيامه بيلعب بحرية تامة وبراءة مطلقة مع الأطفال البدويين في الساحات الواسعة، بيجري بسعادة ورا الكرات البدائية أو بيراقب الغنم والجمال. وكان أحياناً بيصاحب الجدة عشان تشربه لبن الإبل الطازج اللي بقا بيعشقه. وفي يوم من الأيام، وهي واقفة قدام خيمتها بتبص على ياسين وهو بيجري ويلهو، لاحظت انه جاي حصان عربي أصيل لونه أبيض، راكبه راجل شماغه وعقاله الأسود فوق راسه، وبهيبته وطوله الرهيب؛
ده "الشيخ". الحصان وقف بهدوء قريب من الساحة اللي العيال بتلعب فيها. قلبها خاف على ابنها، وهمت تجري عليه، بس وقفت فجأة متسمرة مكانها أول ما شافت حاجة ما كانتش متوقعاها خالص من الراجل القاسي الناشف ده. الشيخ نزل من على الحصان بخفة، ووقف يراقب الصغير ياسين وهو بيقرب منه من غير أي خوف أو رعب، وباصص للحصان بعيون منبهرة وبتلمع.
الشيخ انحنى بطوله على ركبتيه عشان تكون عينه في مستوى راس الصغير، ومد إيده الكبيرة اللي شايلة حتة حلوة بدوية مسكرة، وقال بصوت خشن بس هادي وخالي من أي قسوة: — كيف حالك يا بطل؟ عساك مبسوط بوسط هالديرة؟ ياسين خد الحلوة بابتسامة بريئة وواسعة، وقال ببراءة العيال وبلفظه المصري الواضح: — أنا مبسوط قوي هنا يا عمو.. وفي حصان أبيض حلو خالص!
ظهرت على جنب شـ,ـفايفه ابتسامة خفيفة وقليلة الحدوث، ما لمستش عينيه الحادتين، بس غيرت ملامحه الناشفة لحاجة تانية أكتر دفى. الشيخ مسح برقة على راس الصغير وقال بصوته الخشن: — هذا الحصان يصير لك لو كبرت وبقيت راچل ينشد فيه الظهر.. دير بالك على أمك زين، وما تخليها تحزن. وهي كانت واقفة من بعيد بتتفرج على المشهد الصغير ده، فدخل جوه صدرها إحساس غريب وعكس بعضه؛
خلطة عجيبة من الرهبة، والإعجاب اللي مخبياه، والامتنان اللي متلخبط بالغضب؛ إزاي راجل بالقسوة والسيطرة دي يلين كده قدام طفل صغير ما يخصوش غير إنه ابن ابن عمه اللي مـ,ـات؟ بس السر الحقيقي ما كانش في قسـ,ـوة الشيخ ولا عطفه المفاجئ، ده كان في أسرار الليل اللي بدأت تبان قدامها حبة حبة. في ليلة من الليالي المتأخرة، وبعد ما كل حاجة هديت في القبيلة والكل نام، صحت على صوت حركة خفيفة ورا بعضها بره خيمتها.
طلعت بحذر شديد، وطلعت راسها من فتحة الخيمة عشان تشوف في إيه. الدنيا كانت ضلمة خالص، ومكانش منور المكان غير ضوء القمر الباهت النار الصغيرة اللي لسه متبقية في كام موقد. شافت مجموعة من رجالة القبيلة، لابسين لثام أو عبايات غامقة، بيتحركوا بحذر شديد وبسكات تام ناحية أطراف المنطقة الجبلية البعيدة. كان فيه عربيات دفع رباعي ضخمة وطفيين نورها واقفين بين الصخور، والرجالة كانوا بينزلوا صناديق خشبية تقيلة وكبيرة بعناية شديدة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.