شهق بقوة وهو يلتقط أنفاسه المسلوبة من هول المنظر، ثم تراجعت أقدامه للخلف بتلقائية استعدادًا للهروب، وبالفعل بخطى شبه راكضة كان يغادر البيت من الباب الخلفي، فيما تعجبت غرام من تأخر خروج هويدا بعد شجارهم الذي سمعت جزء منه بسبب صوتهم العالي، فوقفت تنادي على “هويدا” بهدوء لتخبرها أنها ستغادر: -ست هويدا، يا ست هويدا، هويدا ؟
تحركت بتردد نحو الغرفة ونداءها غير المُجاب مستمر، إلى أن وقعت عيناها على “هويدا” الساقطة أرضًا غارقة وسط دمائها، صرخت غرام بفزع وهي تتراجع للخلف بخوفٍ حقيقي، وبعد ثوانٍ أجبرت قدميها على التحرك نحوها لتتفحصها وتتأكد من موتها او عيشها. وبالفعل جلست جوارها أرضًا، ثم بدأت تتفحصها لتجد أنها مقطوعة الأنفاس ! فضربت خديها بهلع وهي تصيح بصوت مكتوم: -يالهوي يالهوي، يا مرارك يا غرام.
ظل عقلها يتخبط حول السؤال المُلح داخلها، ماذا ستفعل ؟ وإلى أين ستذهب ؟ وبغريزة آدمية مرتعبة كانت تستجيب للنداء الذي يحثها على الهرب، فأطلقت قدميها لتسابق الريح…… **** على الجانب الآخر… كانت ليلى قد أنهت عملها اليوم في بيت “سالم العبادي” وتتحرك لمغادرة البيت عاقدة النية ألا تأتي له مرة اخرى ابدًا، وربما تغادر البلدة بأكملها متخفية عن ظافر العبادي الذي لن يتوانَ عن الفتك بها.
وصلت أمام بوابة المنزل بخطى مسرعة أقرب للركض، لا تصدق متى ستصبح خارج هذا البيت الذي شعرته خلال ساعات قليلة كالسجن الضاري. ولكن فجأة وجدت يد قوية غليظة تجذبها من ذراعها لتوقفها عن ركضها، فتشنج جسدها خاصةً حين رأت أن تلك اليد لم تكن سوى لــ “ظافر” الذي إلتوت شفتاه في بسمة ساخرة مُخيفة تزامنت مع نبرته الخشنة الجامدة وهو يقول: -كنتي مفكرة إنك هتهربي مني تاني؟
إنسي المرادي مالكيش مهرب مني. الفصل الثاني: كانت “غرام” جالسة في منزلها الصغير، تحديدًا على الأريكة محتضنة جسدها الذي يرتجف بذراعيها تحاول بث نفسها السكينة التي فرت منها كالسراب، و لا زال الهلع يطفو فوق قسماتها، نعم هي لم تفعل شيء ولكنها للمرة الأولى تتعرض لشيء بشع كهذا، دقائق معدودة هي مَن فصلت بين حديثها مع “هويدا” وبين حتفها !
لأول مرة تشاهد ما كانت تراه في الأفلام فقط، فالمصائب حين تتشابك خيوطها بأرض الواقع تصبح درب من الجحيم يجعل الأبدان تنصهر رعبًا. والآن عليها أن تواجه كارثة أنها مُشتبه في القضية، وربما تأتي الشرطة لتأخذها للتحقيق معها ؟! انتفضت كمَن لدغها عقرب حين سمعت طرقات عنيفة على الباب، بهذه السرعة تجسدت أفكارها في الواقع؟
! تحركت بأقدامٍ مرتعشة كالهلام، وفتحت الباب لتجد أن الطارق “كامل” والذي إندفع نحوها بمجرد أن فتحت له ليهدر في وجهها: -عملتي فيها إيه! عملتي فيها إيه يا مجرمة؟! أجفلت ملامحها من هجومه غير المتوقع على الإطلاق، وتراجعت عدة خطوات للخلف، فتابع هو مستغلًا صدمتها التي أفسحت الطريق لأداؤه الزائف ليؤديه على أكمل وجه: -حرام عليكي دا أنتي كنتي بتاكلي عيش من وراها.
ثم صرخ فيها باستنكار وغضب رسمهما بإتقان: -جتلتيها ليه؟! حين ترجم عقلها أخيرًا الهجوم وحرر رد فعلها المُقيد بالصدمة لتهز رأسها نافية عدة مرات بهلع وهي تردد: -لأ ماجتلتهاش، والله ما جتلتها. زمجر في وجهها متشبثًا بقناع الغضب وببجاحة لا تُصدق: -كدابة، أنتي أخر واحدة كنتي معاها، أنتي اللي جتلتيها. جملته أنعشت ذاكرتها التي تعطلت قليلًا كما كل شيء فيها، فقالت بنبرة واهية وادراك متأخر: -أنت!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.