كان قاعد قدامها: رجل بشماغ وعقال أسود، وعينين حادتين كالصقر، بيملك هيبة ثقيلة تفرض نفسها على المكان. قربت منه ونبرة صوتها فيها الامتنان والشكر: — السلام عليكم يا شيخ.. أنا بصراحة مش عارفة أشكرك إزاي إنت ورجالتك على اللي عملتوه معايا ومع ياسين .. لولا وصولكم في القاهرة وقت هجوم الديانيين كان زماننا جرالنا حاجة .. أنا ممنونة ليكم جداً. بص لها ببرود وثبات، وهز رأسه خفيف من غير ما تتغير ملامحه الحادة.
أكملت كلامها ببساطة وعفوية وهي فاكرة إن الموضوع منتهي: — أنا عرفت إن جوزي الله يرحمه كان ليه ميراث وأملاك هنا وسطكم. أنا طمعانة في كرمك إنك تجهز لي نصيبه ده والمستحقات، عشان أقدر أرجع القاهرة أسد الديون اللي علينا وأبدأ حياة جديدة مع ابني . . أنا مستعجلة عشان ألحق أرجع بيتي وأظبط أموري و شغلي من تاني. هنا، اتغيرت عينيه، ونزل البرود القاتل على وجهه.
فضل متبت بعينيه عليها، وبعدين قال بصوت خشن ونبرة حاسمة وقاطعة: — العفو يا بنت الناس.. الواجب وسويناه مع حرمة ابن عمنا و وِلده. لكن حكي الميراث والخروج من هالديرة ده أنسيه .. مال ابن عمي وأراضيه ما تطلع بره ديارنا، فلوس القبيلة تضل فيها ، ومستحيل نسمح تروح لناس غريبة عنينا .. بيتك هِنا مفتوح، وأكلك وشربك إنتِ والوِلد على حسابنا، لكن ميراث برا الديرة ما فيه، وخروج من هالديرة ما فيه.
اتصدمت من إجابته الحادة اللي ما كانتش متوقعاها خالص، والابتسامة اختفت تماماً من وشها. هنا بدأت نبرتها تتغير والصوت يعلى تدريجياً مع ارتفاع حرارة النقاش بينهما: — يعني إيه كلامك ده؟! أنا مش جاية أطلب حسنة! ده حقي وحق ابني بالقانون والشرع! إزاي ترفض تديني ورث جوزي وتقولي مفيش خروج؟ ! و بعدين إنت مالكش حق تمنعني أرجع بيتي ولا تحرمني من حقي!وقفت قدامه ووشها أحمر من الغضب بعد ما استوعبت إنه بيمارس عليها سلطته.
في اللحظة دي لما الصوت بدأ يعلى والصراع يشتعل، انفتح طرف الخيمة وتدخلت "مرت العم" (الجدة)، وقربت من البطل على جنب وهزت رأسها بحكمة وقالت له بصوت واطي مسموع: — الوِلد هو حتة من أبوه يا ولدي، وما بيصير إننا ناخدها في كنفنا غصب و بدون حق، مرت ابن عمك صعبة وعنيدة..
وما لها حل غير إنها تدخل بيتك وتصير حرمتك، وبكده الوِلد يضل في حضننا، والميراث ما يطلع بره، والناس تعرف إننا سترنا حرمة بن عمك! استمر الصمت لدقايق طويلة و بعدها عقب بكلمات حاسمة وعقلانية بحتة، وهو بيبص للبطلة بنظرة ثاقبة وباردة بعد ما حسم أمره: — زين.. إن كان على الميراث ، فما فيه خروج لبره قدامك حل من اثنين لا ثالث لهما..— اسمعي يا بنت الناس. ..
أني ما أطلب حرمة مرتين، وإنتِ الليلة قدامك اختيارين ما لهن ثالث... يا تقبلي تدخلي داري وتكونين على فراشي مرتي بكامل حقوقك... يا تقبلي تظلي بحمايتي وعلى أرضي كـ حرمة ابن عمي... وفي الحالتين خروج من هالديرة ومغادرة أرضي ما في! رفعت عينيها له بصدمة، ونبضات قلبها نبضت برعب، مش مصدقة إن الراجل اللي واقف قدامها بيخاطبها بالنبرة دي وبكل البرود ده بعد ما كانت فاكراه صاحب فضل، والإيحاء اللي في كلماته خلى الدم يهرب من وشها.
— إنت بتقول إيه؟! إنت فاكر نفسك مين عشان تتكلم معايا بالطريقة دي وتحطني قدام اختيارين زي دول، وتمنعني أخرج من هنا؟!ما اتحركش من مكانه، فضل واقف بطوله المهيب، عقاله الأسود مثبت فوق شماغه، وعينيه الغامقتين مستقرتين عليها بنظرة تخلي أي حد يعيد حساباته قبل ما يفتح بقه قدامه — أني مين؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.