الناس دول أني قطعت التعامل معاهم من سنين طويلة لما عرفت نجاستهم وسكتهم الملعونة، وحرمت دخولهم أرضنا! لكن جوزك الله يجحمه هو اللي طمع، ودخل معاهم من ورايا ومن ورا القبيلة، وأخد منهم عربون شحنة سـ,ـلاح من غير ما أني أعرف، وكان بيخلص شغلهم من المدينة! » سكت ثانية وأنفاسه متسارعة، وأكمل بصدق وزئير خرج من أعماق قلبه وهو بيثبت عينه في عينها: — «أني سـ,ـلاحي ما ينشرى بالمال النجـ,ـس، ولا يروح لأعـ,ـداء الدين..
أني سـ,ـلاحي اللي يمر من أرضي بيروح للرجال المرابطين على حدود غزة .. للمقاومة الشريفة اللي تدافع عن الأرض والعرض! أما جوزك فغرق في طمعه، ولما مـ,ـات جم يطالبوا بفلوسهم وشحنتهم، و جم الليلة غدر انتـ,ـقاماً منا لما رفضت أستر عليهم! أرضي ما يدخلها خاين، ومروءتي ووطنيتي ما أبيعها بمال الأرض كله!» وقفت مكانها مذهولة، الأنفاس محبوسة في صدرها، وشايفة الشرر والصدق العارم في عيونه.
الصدمة المرّة دي كانت في جوزها الراحل اللي الطمع عماه، وفي الراجل اللي قدامها اللي كان بيحمي أرضه وقضيته، وبيورد سـ,ـلاحه للمقاومة الشريفة بسكات من غير ما حد يعرف. نكست رأسها في الأرض، وسكتت تماماً ومش قادرة تنطق بحرف، والدموع بتنزل بسكات. سابها الشيخ وخرج للصحراء بحزم وجمود، وسابها وسط صدمتها ووجعها تعيد حساباتها. عدى يومين..
كان الجو فيهم تقيل ومحمل بالهدوء، وهو متجاهلها تماماً ومابيعديش ناحية خيمتها، ولا بيحاول يكلمها، مكتفي بس إنه يبعت طلباتها واحتياجات الولد مع الستات، ورابط نفسه في شغل القبيلة ببرود وجدية. على العصر في اليوم التاني، خرجت من خيمتها مترددة، ورجليها شايلاها بالعافية ناحية المجلس الكبير اللي كان قاعد فيه لوحده بيراجع حشوة القهوة على النار.
قربت بخطوات هادية وخجلانة، وصوتها طلع واطي ومكسور: — «مساء الخير يا شيخ..» رفع عينه ببطء شديد، وبص لها بنظرة ناشفة وباردة خالية من أي اندفاع، وقدم لها فنجان قهوة بسكات من غير ما يتكلم. قعدت على طرف الحصير، وبدأت تجر كلام معاه بلطافة وتحاول تلطف الجو: — «الجو النهارده أهدى من امبارح» هز راسه بصمت كسفها فكملت بخجل — « بصراحة، أنا كنت جاية أعتذر لك.
أنا ظلمتك وجرحتك بكلامي، وما كنتش فاهمة الحقيقة.. أنا أسفة يا شيخ.» رد ببرود وتقُل شديد وهو بيصب القهوة لنفسه، ومن غير ما يرفع عينه ليها: — «حصل خير يا بنت الناس.. الاعتذار ما يغير من الواقع شي. أنتِ أخذتِ موقفك، وأني أدري إن المكان هِنا مو يناسبك.. فلما تهدأ الأمور راح أرتب خروجك بسلام للقاهرة.» اتقبض قلبها من ردة فعله الباردة وتقله الرهيب!
حسّت إنها مش عايزة تمشي، وإن الجدار اللي بناه فجأة بينه وبينها وجعها أكتر من قسوته القديمة. حاولت تتكلم وتطول القعدة بلطافة أكتر: — «بس أنا.. أنا مش مستعجلة على السفر، وكمان ياسين مبسوط هنا قوي ومحتاج وجودك حواليه..» رد باختصار وهو بيمسح سـ,ـلاحه بروقان وتقُل يحـ,ـرق الدـ,ـم: — «الوِلد له حق علينا كابن عمنا، وما راح نقصر معاه.. بس أنتِ ليكِ حياتك البرانية، وأني ما أحب أجبر حد يضل بديرة شايفها سچن.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.